الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
256
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ يس : 60 ] . جمع سليمان بين دعوتها إلى مسالمته وطاعته وذلك تصرف بصفة الملك ، وبين دعوة قومها إلى اتباع دين التوحيد وذلك تصرف بالنبوءة لأن النبي يلقي الإرشاد إلى الهدى حيثما تمكّن منه كما قال شعيب إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [ هود : 88 ] وهذا نظير قول يوسف لصاحبي السجن أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] الآية . وإن كان لم يرسل إليهم ، فالأنبياء مأمورون أمرا عاما بالإرشاد إلى الحق ، وكذلك دعاء سليمان هنا ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لأن يهدي اللّه بك رجلا خير لك من حمر النعم » فهذه سنة الشرائع لأن الغاية المهمة عندها هو إصلاح النفوس دون التشفي وحب الغلبة . وحرف ( أن ) من قوله : أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى في موقعه غموض لأن الظاهر أنه مما شمله كتاب سليمان لوقوعه بعد البسملة التي هي مبدأ الكتاب . وهذا الحرف لا يخلو من كونه ( أن ) المصدرية الناصبة للمضارع ، أو المخففة من الثقيلة ، أو التفسيرية . فأما معنى ( أن ) المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملا يكون مصدرها المنسبك بها معمولا له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظا مطلقا ولا معنى إلا بتعسف ، وقد جوزه ابن هشام في « مغني اللبيب » في بحث ( ألّا ) الذي هو حرف تحضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار رحمه اللّه بأن يجعل أَنْ لا تَعْلُوا إلخ خبرا عن ضمير كِتابٌ في قوله : وَإِنَّهُ فحيث كان مضمون الكتاب النهي عن العلو جعل أَلَّا تَعْلُوا نفس الكتاب كما يقع الإخبار بالمصدر . وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سدّ مصدر مسدّها وكونها معمولة لعامل ، وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضا . وقد ذكر وجها ثالثا في الآية في بعض نسخ « مغني اللبيب » في بحث ( ألّا ) أيضا ولم يوجد في النسخ الصحيحة من « المغني » ولا من « شروحه » ولعله من زيادات بعض الطلبة . وقد اقتصر في « الكشاف » على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض . وأعقبه بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف ( أن ) فلذلك تتعين ( أن ) لمعنى التفسيرية لضمير وَإِنَّهُ العائد إلى كِتابٌ كما علمته آنفا لأنه لما كان عائدا إلى كِتابٌ كان بمعنى معاده فكان مما فيه معنى القول دون حروفه فصح وقع ( أن ) بعده فيكون ( أن ) من كلام ملكة سبأ فسّرت بها وبما بعدها مضمون كِتابٌ في قولها : أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ .